الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين في البحرين: سياسة رسمية

في الثاني عشر من أبريل/ نيسان من العام 2011، تسلمت عائلة الناشر وأحد مؤسسي صحيفة الوسط البحرينية، عبدالكريم فخراوي (٤٩ عاما) جثته بعد أن كان رهن الاعتقال، لتكتشف إنه فقد حياته تحت التعذيب الشديد، فيما أعلنت وزارة الداخلية البحرينية آنذاك إنه توفي أثر فشل كلوي. 

في العام التالي، وبعد صدور تقرير لجنة تقصي الحقائق البحرينية، بدأت محاكمة شرطيان فقط بتهمة الضرب المفضي إلى الموت من دون قصد بدلا من التعذيب المفضي إلى الموت، وتم الحكم عليهما نهاية العام بالسجن ٧ سنوات فقط، تم تخفيفها لثلاث سنوات في محكمة الاستئناف. لم تتلق عائلة فخراوي عدالة كانت نتنظرها لبشاعة ما حدث، وكتبت زوجته في حسابها على “X”، إن “المحكمة الإلهية أقوى من محكمتهم، المحكمة الإلهية هي المحكمة العادلة التي تثلج صدورنا.. تباً لنظام يجهل الحق والباطل”.

في 9 نيسان/ أبريل 2011، قُتل زكريا راشد حسن العشيري في السجن تحت التعذيب بعد سبعة أيام من اعتقاله بتهم “التحريض على الكراهية” و”نشر أنباء كاذبة” و”الدعوة إلى إسقاط النظام على المنتديات الإلكترونية”، بعد أن كان يدير منتدىً إلكترونيا للنقاش. لاحقًا، تمت تبرئة ثلاثة من رجال الشرطة بعد تقديمهم لمحاكمة استمرت لمدة عام، المحاكمة انتهت بالبراءة في استكمال لمسلسل الإفلات من العقاب بشكل عام، وبشكل خاص فيما يتعلق بالصحافيين والمدونين.

لكن زكريا العشيري ليس الوحيد المشتغل بالصحافة الذي لم يتلق أو تتلق عائلته العدالة، فلا يزال قاتل المصور أحمد إسماعيل (22 عاما) حرا طليقا. قُتل إسماعيل بالقرب من الشارع العام، حيث تتواجد ست كاميرات مراقبة تابعة للمحلات التجارية على الشارع نفسه، تحفظت وزارة الداخلية على التسجيلات بعد الحادثة، ولم تقيد التهمة ضد أحد.

لم تتبع السلطات في البحرين سياسة الإفلات من العقاب في قضايا القتل ضد الصحافيين والناشرين فقط، تمددت ذات السياسة في قضايا التعذيب التي تعرض لها الصحافيين والصحافيات داخل السجون البحرينية. تعرض الصحافي فيصل هيات نصيبه من التعذيب في اعتقاله الذي استمر 84 يوما، إلى التعذيب جسديا ونفسيا، وأيضًا جنسيًا، وتم اطلاق سراحه بعد ذلك دون أن يتم تقديم أي ممن مارسوا التعذيب للمحاكمة.

وحين قدمت السلطات البحرينية ضابطة واحدة للمحاكمة في قضية تعذيب الصحافية نزيهة سعيد، بعد فضيحة مدوية لتعرض صحافية مراسلة للصحافة الفرنسية للتعذيب، تم تبرئتها في المراحل الثلاث للتقاضي، المحكمة الكبرى، محكمة الاستئناف ومحكمة التمييز، فلا عدالة لنزيهة رغم ثلاثة تقارير طبية تثبت التعذيب، أحدهما من الطب الشرعي البحريني التابع لوزارة الداخلية، وأخرى لأطباء بلا حدود، والثالث لمستشفى فرنسي.

اتهمت سعيد عدد من الشرطيات والضباط في مركز شرطة الرفاع بالمشاركة في تعذيبها وتعريضها للإهانة، ولكن النيابة العامة اتهمت واحدة منهن فقط، كانت لا تتجاوز الخامسة والعشرين من عمرها، وحديثة التوظيف، وتمت تبرأتها في وقت لاحق.

وخلاف هيات وسعيد، تعرض العديد من الصحافيين والمصورين للتعذيب والاعتقال وحتى للاختفاء القسري، منهم علي جواد، أحمد حميدان، محمد الشيخ، حيدر محمد، مازن مهدي، السيد أحمد الموسوي، محمد المخرق، حسين حبيل بالإضافة للمدون عبدالجليل السنكيس الذي لا يزال محكومًا بالسجن المؤبد.

تمتنع السلطات الحكومية عن إعمال مبدأ المحاسبة والمساءلة، وتتجنب معاقبة المسؤولين عن الممارسات غير القانونية التي تستهدف الصحافيين، بما فيها المضايقة والاعتقال والتعذيب. ويعزز هذا النهج الاعتقاد بأن هذه الانتهاكات تحظى بغطاء رسمي، وأنها تندرج ضمن سياسات ممنهجة تهدف إلى عرقلة جهود تقصي الحقائق، وتقويض حرية الصحافة، ومعاقبة كل من يسعى إلى كشف الانتهاكات أو تسليط الضوء عليها.

وفي اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين، لا تبدي السلطات البحرينية أي مؤشرات على اعتزامها إنهاء هذه السياسات المتواصلة منذ عام 2011، والتي شهدت تصعيدًا خطيرًا مع اندلاع الحرب في الخليج مطلع العام الجاري. فقد شنت السلطات حملة اعتقالات طالت أكثر من 300 شخص داخل البلاد، على خلفية تعبيرهم عن آرائهم، أو مشاركتهم في احتجاجات سلمية، أو نشرهم صورًا ومقاطع مصورة مرتبطة بالحرب، في امتداد لسياسة تقييد الحريات العامة وتجريم التعبير السلمي.

كما اعتقلت السلطات المصور الصحافي المعروف سيد باقر الكامل، الذي حُكم عليه بالسجن عشر سنوات، على خلفية نشره مقطع فيديو يوثّق آثار هجوم إيراني على البحرين خلال الحرب. وقد أُدين الكامل بعدة تهم، من بينها نشر محتوى اعتُبر داعمًا لإيران، وتصوير ونشر مشاهد لبنى تحتية حساسة، ونشر مواد تتعلق بالشؤون الدفاعية بصورة غير قانونية.

تبذل السلطات البحرينية جهودًا كبيرة لتسويق المملكة دوليًا بوصفها دولة منفتحة وواحة للحريات والتسامح، في وقت تخلو فيه البلاد، منذ إغلاق صحيفة “الوسط”، من أي مؤسسة صحافية مستقلة قادرة على ممارسة دورها الرقابي. أما المؤسسات الصحافية القائمة، فتعمل ضمن قيود صارمة تحول دون تناول العديد من القضايا الحساسة، وفي مقدمتها “الفيل في الغرفة”: الحرب في الخليج.

وتمتد هذه القيود إلى الصحافة الأجنبية، إذ تشترط السلطات الحصول على تصريح مسبق لدخول البلاد بغرض التغطية الصحافية، وتطلب من الصحافيين تحديد موضوعات زياراتهم، والقضايا التي يعتزمون تناولها، والشخصيات التي يرغبون في مقابلتها. وعندما لا تحظى هذه التفاصيل بموافقتها، قد تماطل في إصدار التصاريح أو ترفض منحها، متذرعة بأن “الوقت غير مناسب”.

وفي ظل هذه الأجواء، يخشى المواطن التعبير عن رأيه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فيما يجد الصحافي نفسه أمام قيود تجعله يتردد حتى في توثيق ما تراه عيناه ونقل ما يجري على أرض الواقع. ولعل المفارقة الأكثر تعبيرًا عن هذا الواقع تجلّت خلال الحرب، حين كانت صفارات الإنذار تدوي في سماء المملكة، بينما يبث التلفزيون الرسمي مقابلات مع مواطنين يؤكدون شعورهم بالأمان، في مشهد يعكس إصرار الخطاب الرسمي على إظهار الطمأنينة، في مقابل مشاعر الخوف والقلق التي عبّر عنها مواطنون بعيدًا عن الكاميرات، وهم يجدون أنفسهم وسط حرب طاحنة تتداخل فيها الأهداف العسكرية مع المخاطر التي تهدد حياة المدنيين.

زر الذهاب إلى الأعلى