البحرين في زمن الحرب: حملة الاعتقالات بين الأمن الوطني وحرية التعبير

رابطة الصحافة البحرينية، الخميس الموافق 26 مارس 2026، لندن/ المملكة المتحدة: في أعقاب النزاع العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، منذ أواخر فبراير 2026، وما رافقه من هجمات صاروخية وبطائرات مسيّرة استهدفت أراضي البحرين، شهدت البلاد تصعيداً ملحوظاً في القيود المفروضة على الفضاءين العام والرقمي، تمثّل في حملة اعتقالات واسعة طالت مواطنين ومقيمين.

تُصدر رابطة الصحافة البحرينية هذا التقرير لتوثيق أبرز الوقائع المتعلقة بهذه الاعتقالات، وتحليل الإطار القانوني الذي تستند إليه السلطات، والتأكيد على أن حماية الأمن الوطني واحترام معايير العدالة وحرية التعبير ليست مسارين متعارضين بالضرورة، وإن الجمع المتوازن بينهما هو ما يُعزز مصداقية الدولة وسلامة إجراءاتها القانونية.

تؤكد الرابطة على حق الدولة في اتخاذ ما تراه ضرورياً من تدابير أمنية في ظروف استثنائية كالحرب، غير أن مشروعية هذه التدابير مشروطة، وفق القانون الدولي، بأن تكون محددة بالقانون، وأن تخدم هدفاً مشروعاً، وأن تُنفَّذ بطريقة ضرورية ومتناسبة، مع احترام ضمانات المحاكمة العادلة وقرينة البراءة.

وإذ تشهد المنطقة في هذا السياق تصعيداً عسكرياً غير مسبوق، ما أسفر في البحرين عن مقتل شخصين على الأقل وإصابة 46 آخرين بحسب وكالة أنباء البحرين الرسمية، فإن هذا الوضع الدقيق يتطلب من السلطات الأمنية ومؤسسات المجتمع المدني التعاون الوثيق والبناء لتجاوز هذه الأزمة والحد من تداعياتها. ووفقاً لرصد رابطة الصحافة البحرينية، فقد اعتُقِل ما لا يقل عن 181 مواطناً ومقيماً بين 1 و24 مارس 2026، غالبيتهم على خلفية منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي أو مشاركتهم في احتجاجات سلمية، في حين أشارت السلطات إلى أن بعض الموقوفين يواجهون اتهامات تتصل بالأمن الوطني، كما أعلنت وزارة الداخلية توقيف ما لا يقل عن 40 شخصاً بتهم تشمل “إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي” و”التعاطف مع العدوان الإيراني”.​

في 9 مارس 2026، أعلنت النيابة العامة أنها طلبت من المحاكم توقيع عقوبة الإعدام في عدد من القضايا ذات الصلة، حيث وُصف بعض المتهمين بـ “الخيانة العظمى” على خلفية تصوير مواقع حساسة ونشرها، واعتبرت النيابة أن هذه الأفعال ترقى إلى “التجسس” و”التعاون مع تنظيمات إرهابية ومنها الحرس الثوري”. كما رصدت تقارير حقوقية ووسائل إعلام نشر صور وأسماء عدد من المتهمين على المنصات الرقمية قبل صدور أحكام قضائية نهائية بحقهم، بما يثير تساؤلات حول احترام مبدأ قرينة البراءة.

تكفل المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صادقت عليه البحرين، الحق في حرية التعبير، بما يشمل التعبير عبر الإنترنت والوصول إلى المعلومات. وتُجيز الفقرة الثالثة من المادة ذاتها فرض قيود على هذا الحق بشروط ثلاثة صارمة: أن تكون القيود منصوصاً عليها في قانون واضح ومتاح، وأن تخدم هدفاً مشروعاً مثل حماية الأمن الوطني أو النظام العام، وأن تكون ضرورية ومتناسبة مع طبيعة الخطر.

ويوضح التعليق العام رقم 34 الصادر عن لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة أن على الدولة، عند تقييد حرية التعبير، أن تُبيّن بصورة محددة وفردية طبيعة التهديد، وأن تُقيم صلة مباشرة وفورية بين التعبير موضوع الملاحقة وبين الخطر المزعوم على الأمن أو النظام العام. وتشير المعطيات المتوفرة حتى الآن، بما في ذلك حالات مرتبطة بمنشورات حداد أو توثيق آثار الهجمات، إلى أن هذا الاختبار لم يُطبَّق بشكل كافٍ في عدد من القضايا.

أما فيما يتعلق بعقوبة الإعدام، فإن توسيع نطاق المطالبة بها ليشمل قضايا تنحصر أفعالها في نشر محتوى عبر الإنترنت أو تصوير مواقع، يتعارض مع مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان؛ إذ ينص الميثاق العربي لحقوق الإنسان، الذي انضمت إليه البحرين، على أن عقوبة الإعدام لا تُفرض إلا في “الجرائم الأشد خطورة” ولا تُطبَّق في أي حال على الجرائم ذات الطابع السياسي. كما تؤكد اللجنة المعنية بحقوق الإنسان أن مفهوم “أشد الجرائم خطورة” يجب أن يُفهم على نحو حصري يتعلق بالجرائم التي تنطوي على القتل العمد.

إضافة إلى ذلك، تحظر الاتفاقيات الدولية تطبيق عقوبة الإعدام على من كانوا دون سن الثامنة عشرة وقت ارتكاب الجريمة، كما تُحظر معاملة القاصرين بذات معايير المسؤولية الجنائية المطبقة على البالغين. وفي ضوء ورود تقارير عن توقيف قاصرين على خلفية أفعال قد تعود إلى نقص الوعي بخطورة النشر أو التصوير، تؤكد الرابطة ضرورة تكييف هذه الملفات في إطار قضاء الأحداث وإجراءات بديلة وتربوية.

لا يمكن فهم ما يجري بمعزل عن السياق التراكمي لحرية الصحافة والتعبير في البحرين؛ إذ وثّقت تقارير دورية صادرة عن منظمات حقوقية دولية ووطنية استمرار القيود على الإعلام والصحفيين ونشطاء الإنترنت، واستمرار استخدام قوانين الأمن والإرهاب والجرائم الإلكترونية لتجريم أشكال من التعبير السلمي. كما أشارت هيومن رايتس ووتش في بيان حديث إلى أن السلطات البحرينية “تستغل غطاء الحرب لتشديد القبضة على المعارضة السلمية وسكان البحرين، بمن فيهم العمال المهاجرون”.

في ضوء ما سبق، تؤكد رابطة الصحافة البحرينية أن معالجة تحديات الأمن الوطني لا تستوجب التضحية بمبادئ العدالة وحرية التعبير، وأن الالتزام بهذه المبادئ يمثل رصيداً سياسياً وقانونياً للدولة، لا عبئاً عليها. إن الفارق الجوهري في الممارسة يتمثل بين سياسات تستهدف أفعالاً تشكّل تهديداً موثقاً وجسيماً، وبين استخدام أدوات جنائية مشددة ضد تعبيرات سلمية، بما في ذلك التعبير عن الحزن أو الرأي السياسي أو توثيق الأحداث.

إن البحرين مُلزَمة بموجب التزاماتها الدولية، ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والميثاق العربي لحقوق الإنسان، بأن تُثبت بصورة فردية وموضوعية وجود صلة مباشرة بين كل تعبير تسعى إلى تقييده وبين تهديد أمني حقيقي وملموس، وأن تُظهر أن القيود المفروضة هي الوسيلة الأقل تدخلاً والضرورية لتحقيق الهدف المشروع. إن اعتماد هذا النهج هو ما يُميّز دولة القانون التي تحمي مواطنيها في الأزمات عن سلطة تلجأ إلى المخاوف الأمنية لتضييق المجال العام وتقليص الفضاء المدني

التوصيات

أولاً: للسلطات البحرينية

  1. الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الأفراد الموقوفين على خلفية التعبير السلمي عن الرأي، بما في ذلك منشورات الحداد أو الاعتراض على الحرب أو الوجود العسكري الأجنبي، متى لم تقترن أفعالهم بدعوة صريحة إلى العنف أو مشاركة في عمل إجرامي.
  2. ضمان الحق في التواصل الفوري لكل محتجز والامتناع عن اللجوء إلى الحبس الانفرادي المطوّل، لما يمثله ذلك من مساس بضمانات المحاكمة العادلة واحتمال اقترابه من الاختفاء القسري.
  3. معاملة القاصرين وفق معايير قضاء الأحداث المعتمدة دولياً، والامتناع عن توجيه اتهامات أو عقوبات موازية لتلك المفروضة على البالغين.
  4. التقيد بالاختبار الثلاثي لقيود حرية التعبير المنصوص عليه في المادة 19(3) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بحيث يُشترط في أي قيد أن يكون منصوصاً عليه في قانون واضح، وأن يستهدف هدفاً مشروعاً ومحدداً، وأن يثبت أنه ضروري ومتناسب مع طبيعة التهديد، مع تقديم أسباب فردية ومفصلة لكل حالة.
  5. التوقف عن المطالبة بعقوبة الإعدام في القضايا التي يقتصر فيها السلوك المجرَّم على نشر محتوى عبر الإنترنت أو تصوير مواقع.
  6. الامتناع عن نشر صور وأسماء المتهمين أو تداول بيانات تفصيلية عنهم قبل صدور أحكام قضائية نهائية، التزاماً بمبدأ قرينة البراءة وحماية لسمعة الأفراد وحياتهم الخاصة.
  7. تعزيز الشفافية عبر نشر بيانات دورية رسمية تتضمن الأعداد الدقيقة للمعتقلين على خلفية الأحداث الأخيرة، وأسباب توقيفهم، والتهم الموجهة إليهم، وحالة الإجراءات القضائية.
  8. وضع ضوابط مكتوبة وموحدة لإنفاذ القوانين المتعلقة بالتعبير الرقمي في أوقات الأزمات، تُعلن على الجمهور بوضوح، وتضمن عدم الانتقائية أو التمييز.
  9. مراجعة الخطاب الرسمي والإعلامي المرتبط بالقضايا الأمنية والامتناع عن استخدام توصيفات تخوينية أو طائفية مثل “الخونة” أو “الطابور الخامس” في المرافعات أو البيانات، لما لهذا الخطاب من أثر في تأجيج الانقسام المجتمعي وتقويض الثقة في حياد العدالة.

ثانياً: للمواطنين والمقيمين

  1. الالتزام بالتعليمات الرسمية المتعلقة بحماية المواقع الحساسة، بما في ذلك عدم تصوير أو نشر صور أو مقاطع لمرافق عسكرية أو أمنية أو مواقع قد يترتب على نشرها ضرر فعلي بالأمن الوطني.
  2. تبنّي خطاب وطني جامع ومسؤول في الفضاءين العام والرقمي والابتعاد عن كل أشكال التحريض الطائفي أو خطاب الكراهية أو الدعوة للعنف، انطلاقاً من مسؤولية مجتمعية وأخلاقية وقانونية مشتركة في الحفاظ على السلم الأهلي.
  3. التحقق من المعلومات قبل النشر أو إعادة النشر، ولا سيما في أوقات النزاعات والأزمات، والتعامل بحذر مع الأخبار غير الموثوقة أو المجهولة المصدر، لتقليل مخاطر انتشار المعلومات المضللة.
  4. استخدام القنوات القانونية المتاحة للتظلم، بما في ذلك التقدم بشكاوى إلى المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان أو الآليات الأممية ذات الصلة، عند التعرض لانتهاكات مرتبطة بحرية التعبير أو التظاهر السلمي.
زر الذهاب إلى الأعلى