هل تعيش الصحافة الورقية في البحرين مرحلة الاحتضار؟

رابطة الصحافة البحرينية، 27 فبراير 2026: تعيش الصحافة الورقية في البحرين أزمة عميقة لم تعد خافية على المتابعين والمهتمين بالشأن الإعلامي. هذه الأزمة متعددة الأوجه والأسباب، لكن محصلتها تكاد تكون واحدة، وهي أنها صحافة تترنّح ما بين فقدان الدور والتأثير من جهة وبين حافة الزوال تجاريًا من جهة أخرى. وحده الدعم الحكومي غير المباشر وكون ملاك هذه الصحف يعتبرون الإنفاق جزءً من الدعاية السياسية لأنفسهم، هو ما يبقي هذه الصحف على قيد الحياة.

على مدى أسبوع كامل، جرى رصد النسخ الورقية للصحف المحلية الأربع في البحرين وتحليل مضامينها الإخبارية ونوعيتها ومطالعة أهم مقالات الرأي فيها. جاءت النتائج صادمة ومقلقة؛ يتبيّن أن النسبة الأكبر من المواد المنشورة تندرج ضمن خانة البيانات الرسمية والتصريحات الحكومية الصادرة عبر القنوات الرسمية، وأخبار اجتماعات مجلسي النواب والشورى ولجانهم، وقرارات روتينية، وأسئلة برلمانية مرفقة بأجوبة حكومية جاهزة، وصولًا إلى جداول الأعمال التي تُوزَّع مسبقًا على المؤسسات الصحفية.

اللافت أن بعض الصحف تُسند هذه المواد الجاهزة إلى أسماء محرريها بعد القيام بتعديلات طفيفة، فيما تكتفي أخرى بنشرها من دون توقيع. أما الأخبار الخاصة، حتى في حدودها الدنيا من حيث الأهمية أو القيمة الاستقصائية، فلا تتجاوز في أفضل الأحوال خبرين في العدد الواحد، بينما اكتفت صحيفتان في بعض الأيام بخبر واحد فقط يحمل توقيعا باسم أحد الصحفيين العاملين فيها. لا تعكس هذه المؤشرات فقرًا في الإنتاج الصحفي وحسب، لكنها أيضًا تُحيل إلى أزمة أعمق تتعلق بوظيفة الصحافة ذاتها ودورها في المجال العام.

جذور الأزمة: عوامل مركّبة

يمكن ردّ الأزمة التي تمر بها الصحافة في البحرين إلى حصيلة تراكُمات سياسية ومهنية وتقنية، من أبرزها:

أولًا: إغلاق صحيفة “الوسط” وتداعياته: في عام 2017 أُغلِقت صحيفة “الوسط” التي كانت تمثل الصوت الصحافي المستقل الوحيد في البلاد، وتنتهج خطًا نقديًا أكثر اتساعًا. ورغم أن بيان وزارة شؤون الإعلام آنذاك لم يقدّم الإغلاق بوصفه نهائيًا، فإن رفض السلطات لاحقًا السماح بعودتها للصدور حسم المسألة عمليًا.

شكل إغلاق “الوسط” نقطة انعطاف في البيئة الإعلامية في البحرين. حيث شهد سقف الحريات الصحفية تراجعًا ملحوظًا، واتسعت مساحة الرقابة الذاتية داخل المؤسسات الصحفية الأخرى، التي باتت، بحكم الاصطفافات السياسية والقيود التنظيمية، أقرب إلى الصحافة الحكومية منها إلى الصحافة المستقلة. الصحف ابتعدت تدريجيًا عن القضايا التي تمس حياة المواطن اليومية أو تكشف مكامن الخلل في السياسات العامة، وتحولت إلى منصات شبه متطابقة في المحتوى، وأحيانًا بالعناوين نفسها، من دون جهد تحريري يُذكر.

هذا وتوصلت رابطة الصحافة البحرينية بعديد الشكاوى والملاحظات من كتاب الأعمدة الصحافية تفيد بأن سقف الحريات الصحافية قد أصبح ضيقًا للغاية، وأنهم باتوا عاجزين عن انتقاد الوزارات والمؤسسات الحكومية الخدمية فضلاً عن تناول القضايا السياسية والاقتصادية الحساسة.

ثانيًا: التحول الرقمي وتحدّي المواقع الإلكترونية: في البحرين وخارجها، يمثل التحول الرقمي أحد أكبر التحديات التي واجهت الصحافة الورقية. كانت “الوسط” البحرينية من أوائل الصحف التي استثمرت مبكرًا في الحضور الإلكتروني، مقدمةً محتوى بصريًا وتغطيات سريعة للأحداث التي يكون فيها عامل الزمن فاعلاً ومهمًا، بما يشمل الأخبار العاجلة. في المقابل، جاءت محاولات الصحف الأخرى للانتقال إلى الفضاء الرقمي متأخرة نسبيًا، وغالبًا من دون رؤية تحريرية واضحة تُميز المحتوى الإلكتروني عن الورقي. ورغم تطور التجارب نسبيًا، لم تذهب الصحف حتى الآن إلى استثمار حقيقي في صحافة البيانات أو إنتاج محتوى فريد يناسب أنماط الاستهلاك الرقمي المتغيرة يتناول أيًا من القضايا السياسية الهامة والتي يتداولها المواطنون. ومع الوقت، فقدت هذه المواقع قدرتها على المنافسة أمام منصات إخبارية رقمية أكثر مرونة وانتشارًا.

ثالثًا: وسائل التواصل الاجتماعي و”الخدمات الإخبارية”: أدّى التوسع الكبير في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي إلى بروز نمط جديد من الفاعلين الإعلاميين، يُعرف محليًا بـ “الخدمات الإخبارية”. تقوم هذه الصفحات والحسابات على نشر أخبار سريعة وقصيرة تُثير التفاعل المجتمعي، مع تجنّب الاقتراب من القضايا السياسية الحسّاسة. تعتمد هذه الخدمات في تمويلها على الإعلانات والرعايات التجارية، ولا تحتاج إلى بنية تحريرية معقّدة أو كوادر صحفية محترفة؛ إذ يكفي فريق صغير يجيد صياغة العناوين الجذابة وإنتاج المحتوى البصري السريع. ساهم هذا النمط في سحب جزء معتبر من جمهور الصحف الورقية، لا سيما مع انتشار حسابات إخبارية محلية متخصصة في شؤون القرى والمناطق، وأخرى تركز على مجالات بعينها كالرياضة. ومع أن هذه الصفحات لا تؤدي وظيفة الصحافة بمعناها المهني العميق، فإنها نجحت في احتلال موقع مؤثر في المجال الإعلامي اليومي، مستفيدة من سرعة النشر وقربها من اهتمامات الجمهور المباشرة.

رابعًا: تحولات المجتمع: تعاني الصحافة عالميًا من تحوّل في أنماط الاستهلاك الإعلامي لدى الأجيال الجديدة، وعلى رأسها “جيل زد” (مواليد 1997–2012)، الذي نشأ في بيئة رقمية كثيفة وتشكّلت ذائقته الإعلامية عبر الفيديوهات القصيرة والمحتوى السريع. هذا الجيل يُفضّل المحتوى المرئي على النصوص الطويلة، ويُظهر قدرة أقل على التفاعل مع المواد التحليلية المطوّلة.

هذا التحول لا يقتصر على البحرين، بل يظهر في تراجع نسب مشاهدة القنوات الإخبارية التقليدية في دول غربية كبرى، وتراجع مبيعات الصحف الورقية عالميًا. غير أن أثره في السياق البحريني يبدو مضاعفًا بفعل محدودية المحتوى المحلي الجاذب، وغياب أي محاولات جدّية لإعادة تقديم الصحافة بلغة وأساليب تناسب هذا الجيل.

الحلول ممكنة

تبدو الخيارات المتاحة أمام الصحف المحلية محدودة. إن استمرار النموذج القائم على إعادة تدوير البيانات الرسمية، يضع هذه الصحف على مسار انحداري واضح. التجارب الدولية تؤكد أن التحول الرقمي أصبح مسارًا وجوديًا ووحيدًا.

يتطلب هذا التحول إعادة بناء شاملة للنموذج التحريري والاقتصادي، من خلال:

أولا: تقليص الاعتماد على النسخ الورقية وصولاً لإيقافها بالكامل والتحول إلى منصات رقمية متطورة.

ثانيًا: تطوير محتوى الصحف وبالخصوص رفع سقف التغطيات سياسياً والتركيز على التحقيقات والقصص الإنسانية التي تتعلق بحياة البحرينيين والتحديات التي يواجهونها في حياتهم العامة.

ثالثاً: تقديم خدمات رقمية مضافة مثل محتوى الفيديو والبودكاست والبرامج الحوارية الرقمية والموجزات اليومية التحليلية (فيديو).

رابعًا: التفكير جديًا في نماذج اشتراك مرنة تراعي القدرة الشرائية المحلية وتُقنع القارئ بأن المحتوى المدفوع يقدّم قيمة معرفية مضافة ووصولاً لمواد تستحق الاشتراك المادي.

خامسًا: الاستثمار في تدريب الصحفيين على أدوات الصحافة الرقمية وأساليب السرد الجديدة.

زر الذهاب إلى الأعلى