البحرين تُقنّن قمع الصحافة: قانون جديد يخنق الصحافيين ويمدّ رقابة الدولة إلى الفضاء الإلكتروني

رابطة الصحافة البحرينية، لندن – المملكة المتحدة | الأحد الموافق 9 نوفمبر 2025: تُدين رابطة الصحافة البحرينية إصدار قانون الصحافة والإعلام الإلكتروني رقم (41) لسنة 2025، الذي صادق عليه وأصدره ملك البلاد بتاريخ 30 أكتوبر 2025 بعد إقراره من مجلسي الشورى والنواب. 

ترى الرابطة أنّ هذا القانون يمثل تراجعًا خطيرًا عن الالتزامات الدستورية والدولية لحرية الرأي والتعبير والحريات الصحافية في البحرين، ويوسّع الرقابة المسبقة والإجراءات الإدارية العقابية لتشمل الإعلام الرقمي، مع إبقاء أبواب الملاحقة الجنائية مفتوحة عبر التشريعات الأخرى، وفي مقدمتها قانون العقوبات وقانون الإرهاب.

يُعدّ القانون انتكاسة لتعارضه الصارخ مع العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (المادة 19) الذي يشترط أن تكون القيود على حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة محدّدة بدقّة وضرورية ومتناسبة مع غاية مشروعة. كما أنه يستخدم صيغًا فضفاضة من قبيل “المصلحة الوطنية” و”التعرّض” بدل “التحريض على العنف”، ما يوسّع التأويل الجنائي. كما يتضمن القانون على مواد تمثل ردعًا اقتصاديًا وإجرائيًا عبر غرامات مرتفعة وصلاحيات الحجب وإلغاء التراخيص التي قد تُجهِز على المنصات الصغيرة مع إبقاء مسارات الملاحقة الجنائية عبر القوانين الموازية مفتوحة.

إن إقرار هذا القانون يمثل انتكاسة خطيرة لحرية الصحافة في البلاد، وانتهاكاً لحق المواطنين والمقيمين في التعبير عن آرائهم بحرية وأمان. تكشف القراءة المعمقة للنصوص المقترحة ومقارنتها بالتشريعات النافذة، أن هذه التعديلات لا تقدم أي انفراجة حقيقية في مجال الحريات. بل على العكس، تعزز من أدوات الدولة لإحكام السيطرة على الفضاءين الإعلامي والإلكتروني، وتُبقي الصحافيين والمؤسسات الإعلامية تحت تهديد دائم بالمحاكمات والإغلاق الإداري.

تؤكد الرابطة أنه ورغم حذف عقوبة الحبس المباشر من مواد قانون الصحافة الجديد، يبقي القانون الإحالة العامة إلى “أي عقوبة أشدّ في قوانين أخرى”، بما يسمح بمحاكمة الصحفيين ونشطاء الإنترنت بموجب قانون العقوبات أو غيره، وهو ما يفتح الباب أمام عقوبات سجنية مغلظة، وعليه، يصبح “إلغاء الحبس” مجرد خدعة موجهة للمجتمع الدولي لتجميل صورة البحرين الحقوقية، فيما الواقع لا يزال كما هو: الصحفيون عرضة للسجن تحت غطاء قوانين أخرى.

يلاحظ أن التعديلات الصادرة بموجب القانون رقم (41) لسنة 2025 تعيد صياغة المرسوم بقانون رقم (47) لسنة 2002، لتوسّع نطاقه ليشمل “الإعلام الإلكتروني”، في خطوة تبدو تحديثاً تشريعياً لمواكبة التطور الرقمي، لكنها في جوهرها إعادة إنتاجٍ موسعة لمنظومة الرقابة القديمة مع أدوات جديدة تُقيد الفضاء الإلكتروني، وتكرس سلطة الدولة على المنصات الرقمية والصحافة المستقلة. 

يقر القانون توسيع الرقابة إلى الفضاء الرقمي وإخضاعه للترخيص وإمكانية التعليق والإلغاء الإداري، وهو ما يعني تحويل آخر متنفسٍ نسبي للمجتمع المدني في البحرين إلى فضاء مُراقَب ومحكوم بقرارات تنفيذية واسعة. وتعيد المادتان (16) و(22) فرض الترخيص المسبق كشرط لممارسة أي نشاط صحفي أو إعلامي أو حتى الطباعة والنشر، وهو ما يتعارض مع المبدأ الذي يعتبر الترخيص المسبق شكلاً من أشكال المنع الوقائي. كما أن إضافة عقوبة مالية تصل إلى “خمسة آلاف دينار” يفتح المجال أمام التمييز السياسي والإداري في منح التراخيص أو رفضها.

إن فلسفة الترخيص المسبق لمزاولة النشاط الإعلامي وإدخال المنصات الإلكترونية ضمن نظام التراخيص، تقوّض مبدأ الاكتفاء بالإخطار ويمنح الوزارة سلطة تقديرية لإقصاء المبادرات المستقلة. كما يوسّع القانون من صلاحيات الإيقاف المؤقت والحجب والمصادرة الإدارية للمحتوى، ما يعني عمليًا إنزال “عقوبة مسبقة” قبل صدور أحكام باتّة، وهو ما يتناقض مع قرينة البراءة والمعايير الدولية للمشروعية والضرورة والتناسب.

تنص المادة (69) على تجريم “التعرض” للدين أو ملك البلاد بدلاً من “الإساءة” أو “التحريض”، وهو ما يمنح النيابة العامة السلطة التقديرية المطلقة لتجريم أي رأي. الغريب هو أن القانون يمنح المؤسسات النظامية مثل الوزارات والهيئات الحكومية كافة حصانة قانونية موازية للحصانة الدستورية لملك البلاد، ما يجعل الانتقاد الجوهري للسياسات أو الأداء الحكومي في دائرة الحظر الدائم. إنها ببساطة عودة واضحة إلى “خطوط حمراء” شديدة القسوة، تُخضع أي ممارسة صحافية في البحرين لرقابة الدولة المباشرة تحت طائلة الإغلاق أو سحب الترخيص بالتوازي مع العقوبة الجنائية.

هذا وتخوّل المواد (74) و(75) و(78) المحاكم ووزارة الإعلام تعطيل الصحف أو حجب المواقع “لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر” بل “حتى سنة كاملة أو إلغاء الترخيص” حتى قبل صدور حكم نهائي (مادة 78). هذه عقوبات مسبقة قبل الإدانة القضائية تتعارض بوضوح مع مبدأ افتراض البراءة. كما تتيح المادة (75) مصادرة وحذف المحتوى، ما يحول القانون إلى أداة لإعدام المادة الصحفية رقمياً.

تمنح المواد (84) و(85) وزارة الإعلام صلاحية توجيه الإنذارات للصحف والمواقع وإلزامها بنشر نص الإنذار، ما يعني تدخلاً تنفيذياً مباشراً في المحتوى التحريري. كذلك تجيز تعطيل أو إلغاء الترخيص إذا “تعرضت السياسة التحريرية للمصلحة الوطنية”، وهي صيغة فضفاضة تسمح للسلطة باعتبار أي رأي معارض تهديداً للأمن الوطني.

في المحصلة، تحمل مواد القانون الجديد دلالات واضحة على توجه البحرين نحو ترسيخ القبضة الأمنية على الإعلام بدلاً من تخفيفها. 

يمثل هذا القانون الجديد أداة أشدّ وطأة في يد السلطات لتعطيل العمل الصحفي المستقل وخنق حرية الرأي والتعبير، وذلك عبر تقنين الرقابة ومنع تشكل فضاءات بديلة للرأي والنقاش العام في البلاد.

تدعو رابطة الصحافة البحرينية المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والإعلامية إلى مراقبة تداعيات هذا القانون والضغط من أجل مواءمته مع المعايير الدولية لحرية التعبير، وضمان بيئة إعلامية مستقلة وآمنة للصحفيين والعاملين في المجال الرقمي. 

إنّ صون حرية الكلمة واحترام الحق في النقد والمساءلة لا يشكّلان تهديدًا للأمن الوطني، بل أساسًا لقيام دولة القانون والمؤسسات. إن أي تشريع يُستخدم لتكميم الأفواه إنما يُقوّض ثقة المواطنين في العدالة والشفافية ويعمّق أزمة المشهدين السياسي والإعلامي في البحرين.

زر الذهاب إلى الأعلى