لماذا يسخر البحرينيون من الأخبار؟

رابطة الصحافة البحرينية (26 أكتوبر 2025): على امتداد عقدين، عاشت الصحافة البحرينية انتقالًا قاسيًا من ذروة نفوذها الورقي إلى تراجعٍ حادّ في الثقة.
في مطلع الألفية، كانت الجرائد اليومية تحتلّ مكانة مميزة؛ اشتراكات تصل صباحًا إلى الأبواب ونفاد أعداد الصحف في بعض الأيام، باعةٌ منتشرون عند الإشارات ومحلات البقالة الصغيرة “البرادات”. تزامن ذلك مع مرحلةٍ وُصفت بالانفتاح السياسي واتساع حرية الرأي والتعبير بعد المشروع الإصلاحي، ما نتج عنه صدور صحف كـ “الوسط” و”الوقت” بما فرض على الصحف الأقدم رفع سقفها التحريري.
هذا المسار لم يلبث أن ارتطم بموجةٍ سياسية وأمنية بعد 2011 غيّرت البيئة الإعلامية برمّتها، ثم جاء قرار إيقاف “الوسط” في 4 يونيو/حزيران 2017 ليطوي صفحة آخر منفذٍ مستقلّ ذي وزن، وليؤشّر إلى نهاية مرحلة من النقاش العام عبر الصحافة المحلية كما عرفها البحرينيون.
هذا التحوّل المؤسّسي في الصحافة تزامن مع تحوّلٍ سلوكي في استهلاك الأخبار. قبل عام 2011، ملأت المنتديات والمدوّنات جانبًا من الفجوة التي لا تقاربها الصحف التقليدية، ثمّ انتقل النقاش سريعًا إلى شبكات التواصل، وبخاصّة “تويتر” الذي صار المنصّة السياسية الأولى، فيما حملت تطبيقات المراسلة الفورية موجات “العاجل” والتسريبات. لم يعد القارئ يبحث عن مساحة التعليق أسفل خبرٍ في موقع جريدة بل عن مساحة حضورٍ شخصيّ وهويةٍ عامة وتفاعل مباشر يمنحه ما يشبه “الاعتراف الاجتماعي”. ساعد على ذلك أنّ البحرين باتت ضمن الدول الأعلى نفاذًا إلى الإنترنت خليجيًا.
لكنّ البيئة الرقمية التي احتضنت هذا النقاش لم تكن حيادية. بعد 2011، دخلت البحرين طورًا ممتدًا من التضييق على المجال العام، شمل اعتقالات وملاحقات وأحكامًا قضائية متعسفة بحق صحفيين ونشطاء على خلفية التعبير عن الرأي، المحاكمات القاسية والتوسّع في التجريم، أفضى إلى رقابة ذاتية مرتفعة في الصحف ومن جانب النشطاء على السواء. أحكام السجن على الصحافيين والسياسيين والنشطاء تحوّلت إلى “ذاكرة مخاطرة” لدى المستخدمين، وبتعبير منظمة أمنستي فإن “الكلام الجادّ في البحرين قد يكون مُكلِّفًا”
ترافق ذلك مع إعادة تشكيلٍ قانوني وتقني لبنية الإنترنت والإعلام. فمن جهةٍ قانونية، ظلّ مرسوم بقانون الصحافة والطباعة والنشر رقم 47 لسنة 2002 إطارًا منظّمًا شديد الصرامة، بينما أقرّ قانون جرائم تقنية المعلومات رقم 60 لسنة 2014 وقانون حماية وثائق الدولة والمعلومات رقم 16 لسنة 2014، موسّعين من نطاق الحماية الجنائية والتجريم في الفضاء الرقمي على نحو حدَّ من هامش التعبير السلمي وأثار انتقادات حقوقية.
على المستوى الدولي، تُصنّف تقارير “فريدوم هاوس” البحرين باعتبارها بلدًا “مقيّدًا” على الإنترنت، مع حجب مواقع وإزالة محتويات وملاحقاتٍ جنائية للتعبير عن الرأي الكترونيًا؛ كما تشير تقارير وزارة الخارجية الأمريكية السنوية لحقوق الإنسان إلى استمرار القيود على الإعلام وحرية التعبير. منظمة “هيومن رايتس ووتش” وصفت هذا التراكم، قانونًا وممارسة، بأنه يجعل بيئة الخبر أقرب إلى “بيانٍ رسمي” مُعاد صياغته، لا مادة صحفية قابلة للمساءلة والنقاش.
هنا بالضبط تولد السخرية. فحين تتبدّل وظيفة الجريدة من وسيط مستقلّ بين المجتمع والدولة إلى قناة علاقات عامة تُعيد بثّ رواية واحدة، يصبح استقبال الخبر مختلفًا.
يقرأ البحرينيون الخبر بوصفه سردية رسمية لا معلومة تستدعي الحوار. ولأنّ تكلفة الاعتراض أو الرد المباشر قد تكون سنوات طويلة في السجن، يختار البحرينيون أسلوبًا أقل كلفةً: السخرية، النكات، الميمات والتلميحات.
يؤدي هذا الأسلوب عدة وظائف، أهمها التنفيس النفسي عن الغضب وإرسال رسالة تشكيك دلالية في صدقية الخبر دون التورط في أفعال قد تُجرم أو تُؤوّل سياسيًا. ومع خوارزميات تفضِّل الإيجاز والدراما والانفعال، تُكافأ السخرية وتنتشر أسرع من التحليل الهادئ، فتغدو هي “لغة النقاش” الافتراضية حين يغيب الوسيط المستقلّ وتضيق مساحات التعقيب الرصين.
السخرية من الأخبار في البحرين ليست عداءً طبيعيًا ضد الخبر، بل هي ابنةُ ظروفٍ أنتجتها عدة عوامل متراكبة.
أوّل هذه العوامل هو فقدان الثقة بالصحف، حيث تعمل الصحافة في البحرين بلا مساءلةٍ للحكومة ولا تعددية في المصادر. ثاني العوامل هو المخاطرة: أجهزة الدولة ستعتبر التعقيب الجاد موقف مُسيّس وهو ما قد يُكلف صاحبه الكثير. ثالثها عامل العرض: فما هو معروض أمام المواطن هو سرديةٌ أحادية غير قابلة للتدقيق أو النقد، وعليه، تُصبح هذه المادة سهلة للهزل والتفكيك الساخر.
ما بين الأعوام 2002 و2011 كانت الصحافة في البحرين تؤدّي وظيفة “الوسيط” الذي ينقل قضايا الجمهور واهتماماتهم ويكشف عن مواطن الخلل المؤسساتي والإداري، دور مهم وفاعل بين المجتمع والدولة ضمن أفق إصلاحي. مع تراجع هذا الدور، تراجع الطلب على النقاش الرصين. بعبارة أخرى، حين يفقد الخبر وظيفة الإقناع يربح “اقتصاد اللا تصديق” وتزدهر السخرية.
إن استعادة العلاقة الصحية بين المجتمع والخبر تمرّ عبر إنهاء مؤسسات الدولة لهذه الأدوار القامعة للحريات، وعبر مراجعة المواد القانونية المستخدمة في تجريم التعبير السلمي في قانون الصحافة وقانون الجرائم الإلكترونية وقانون الإرهاب وما يُطبق من نصوص أمنية أخرى على قضايا حرية الرأي والتعبير. أيضّا، عبر توفير ضمانات مهنية داخل الصحف وخارجها تمكن الصحافيين والنشطاء من إنتاج صحافة ومحتوى قائم على البحث والتحقيق والرد على ما تورده الحكومة من بيانات، صحافة تمتلك القدرة على التشكيك في سرديات الحكومة في السياسة والاقتصاد والخدمات.
سخرية البحرينيين من الأخبار الحكومية هي نتيجة طبيعية لمجتمعٍ يريد أن يقول رأيه من دون أن يدفع ثمنًا باهظًا، في بيئة تُحاصر الكلام الجادّ وتعيد تعريف الأخبار كبيانات رسمية لوزارات الدولة ومؤسساتها.
إنّ إصلاح هذه البيئة لا يتحقق بتطوير الإخراج البصري للأخبار وحده، بل بإعادة بناء شروط الثقة: قانونٌ متّزن، مساءلةٌ مؤسسية، شفافيةٌ في المعلومات، ومنابر مهنية مستقلة. حين تتوافر هذه الشروط، تعود الصحافة البحرينية حرة، ويستعيد الخبر وظيفته الأصيلة: أن يُقنع بالمعلومة لا أن يُستَخدم مادةً للتندر والسخرية.