كيف يتحول الحفاظ على الأمن من هدف نبيل لحماية الدولة واستقرارها إلى فزاعة لسلب الحريات؟

لندن، المملكة المتحدة، رابطة الصحافة البحرينية، السبت 29 مارس 2025: تعتمد البحرين سياسية مجحفة حين يتعلق الامر بالرأي الآخر أو الحرية في التعبير، تتحكم الدولة في كل مفاصل الإعلام والصحافة وتتبنى رؤية واحدة بسياق واحد للأحداث والخطط والمشاريع بما يتناسب مع سياساتها وخططها وطريقتها في إدارة الدولة، وهو حال عديد الدول التي لم تكتمل تجربتها الديمقراطية. 

خلال لقاء مع أهالي قرية الدراز بمركز المحافظة الشمالية في أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي، أكد وزير الداخلية الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة أن “البحرين لا ناقة لها ولا جمل في الأحداث العالمية والإقليمية التي تحدث في المنطقة، غير تعاطفنا مع الضحايا “، ما أعتبر حينها دعوة مبطنة للتخلي عن الاحتجاجات التي شهدتها القرية تضامنًا مع فلسطين ولبنان، الوزير أعطى توجيهًا لتركيز الخطب في جامع الصادق (المسجد الرئيسي في الدراز) على الشؤون “الدينية وليس السياسية” لتجنب الاضطرابات التي قد تؤدي إلى اللجوء للحلول الأمنية، حسب تعبيره.

يرى الوزير الذي يسمح بتجمع أسبوعي ضد العدوان الإسرائيلي على غزة في منطقة العدلية وأحيانا في المحرق منذ بدأ الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أنه لا يمكن للمحسوبين على المعارضة البحرينية – باعتبار هذا المسجد كان دائما صوتا للمعارضة الشيعية منذ 2011 – التعبير عن تضامنهم مع فلسطين ولبنان بحرية، لأن ذلك “يؤدي لزعزعة الأمن” في رأيه.

وكانت رابطة الصحافة البحرينية قد أدانت في وقت سابق استدعاء العشرات من نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي وإجبارهم على حذف المنشورات تحت تهديد اتهامهم بتمجيد الإرهاب. وأشارت الرابطة إلى أن إدارة مكافحة الجرائم الإلكترونية التابعة لوزارة الداخلية تتصرف على نحو مخالف للدستور والقانون من خلال ترهيب النشطاء والسياسيين والفاعلين في المجتمع المدني وتهديدهم والتحكم فيما ينشرونه على هذه المنصات.

بالنتيجة، هناك دائمًا ميزان مختل بين واجب الحفاظ على الأمن وحماية الحق في حرية التعبير في البحرين، كما غيرها من الدول التي لا تزال شعوبها تبحث عن نافذة حقيقية على الديمقراطية، وحتى تلك التي تمتلك أنظمة دمقراطية وفي ظل الوضع العالمي الحالي وصعود القوى اليمينية والشعبوية في عدة دول غربية، يستخدم الإضرار بالأمن كفزاعة للتعدي على الحريات وتقليصها، كما يقول الصحافي المتخصص في الشأن الأمني مهند صبري، ويضيف: “كما إنها سمة عامة ومستمرة في كل ديكتاتوريات الشرق الأوسط، بالرغم من وجود قوانين تفصيلية جدا لكل أشكال الحريات وما يندرج تحت حرية الرأي والتعبير، وحرية النشر والكتابة وخلافه، وبين ما يعتبر إضرار ومساس بالأمن”.

يشير صبري إلى ما ذهبت إليه دول يمكن اعتبارها دولاً ديمقراطية، من ملاحقة لمنتقدي إسرائيل وحربها على غزة “يستُخدم الأمن كحجة لمصادرة الحريات والتعدي عليها، فكل من يتكلم فيما يتعلق بحرب غزة يتم وصمه بدعم الإرهاب أو معاداة السامية، لدرجة أن نص دعم الإرهاب ومعاداة السامية فقدا معناهما جراء استخدامهما بشكل خاطئ تمامًا وفيه توجه لمصادرة الحريات ولضرب الأعداء السياسيين والتشهير بالأشخاص”.

يتجه السياق العالمي كما يشرح صبري، إلى الهجوم على الحريات بشكل عنيف ومنها حرية التعبير والرأي، ليس على المستوى الصحافي فقط بينما على المستوى العام، حيث يتم إلقاء القبض على أشخاص ويتم ترحيلهم بشكل قانوني أو غير قانوني بسبب آرائهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وقال: “للأسف حتى العالم المتقدم الديمقراطي، قاب قوسين ليتبنى هذا النهج الديكتاتوري التام، مبشرًا بدخولنا نفق مظلم فيما يتعلق بنزع الحكومات للحريات”.

وفي مختلف دول غرب جنوب آسيا تستخدم السلطة وأربابها تهم السب والقذف لكي تنكل بالمعارضين والصحافيين، كما يحدث في مصر والبحرين وغيرها من الدول، والحديث لصبري، أما قضية منظمات المجتمع المدني في مصر التي بدأت في عام 2011 وانتهت العام الماضي، استخدم النظام فيها تهم مفبركة عن تلقي تمويل اجنبي بشكل غير قانوني واستهدف بها مجموعة من منظمات المجتمع المدني وعدد من النشطاء، وبالرغم من استمرار القضية لأكثر من عشرة أعوام وتعرض كل من تم اتهامه فيها للتنكيل، لم تقدم الدولة دليلا واحد على اي اتهام ضد اي من المتهمين”.

الأمن عامل مهم وأساسي لاستقرار الدول والمجتمعات، ولبناء أنظمة سياسية واقتصادية واجتماعية مزدهرة، ولجلب الاستثمارات وغيرها من الخطط التي تصب في صالح البلد، لذا فأن الحفاظ على الأمن هو أولوية لدى العديد من البلدان، والبحرين لا تختلف عنهم في ذلك، ولكن هذا “الهدف النبيل” أصبح أداة لقمع حرية الرأي والتعبير.

يقول رئيس قسم الشرق الأوسط في المنظمة جوناثان داغر: “في أغلب الدول في الشرق الأوسط يتعرض الصحافيون للاعتقال والاستجواب أو حتى القتل بحجة الدفاع عن مصلحة الأمن القومي للبلد، وهذا أمر غير مقبول أبدا، فالصحفيين يقومون بواجبهم في إعلام الرأي العام بمعلومات مهمة لضمان خلق رأي عام سليم قائم على الحقائق في البلاد، وأن تشويه سمعتهم والاعتداء عليهم واعتقالهم بحجة الإخلال بأمن الدولة هو ادعاء كاذب لا يمكن قبوله بأي حال من الأحوال”.

وأشار داغر إلى أن البحرين ليست مختلفة عن الدول المحيطة بها كإيران ومصر التي تتهم الصحافيين والناشطين والمعارضين بالانضمام لمنظمة إرهابية أو بالترويج لبروبغاندا ضد الدولة تمهيدا لاعتقالهم ومحاكمتهم لأن لهم رأي آخر عن الدولة، يضيف “المساس بالأمن هي التهمة ذاتها التي تستخدم لاعتقال الصحافيين والبلوغرز في هذه البلدان”.

“نرى ذلك يتكرر في عدد من البلدان، حيث الأمن هو حجة الأنظمة القمعية للتسلط على المعلومات والرأي العام الذي تتم تغذيته عبر الصحافة والأخبار، حرية التعبير وحرية الصحافة ليست عدوة الأمن، بل على العكس، فهي مهمة للأمن وبإمكانها الكشف عن الخروقات الأمنية وتقوية مؤسسات الدولة، وهذه الحجج الواهية غير مقبولة” كما قال داغر، مشيرا إلى أنه غالبًا ما يخلط الزعماء الاستبداديون بين أمن مناصبهم في السلطة وبين الأمن القومي، فيقع على عاتق الصحفيين واجب تجاه الدولة ولكن ليس عليهم على الإطلاق واجب التغطية على الممارسات الفاسدة أو الممارسات الاستبدادية أو الصمت عنها، على العكس من ذلك، هذا هو سبب وجود الصحافة”.

في الحقيقة، الرأي المخالف لآراء المسؤولين في الدولة، كذلك العمل الصحافي الساعي لكشف الحقائق وتطوير التجارب الديمقراطية، لا يسهمان في زعزعة الأمن، بل إن اعتقال الصحافيين والناس علي أساس التعبير عن آرائهم المخالفة لرأي الدولة هو ما يزعزع الأمن، كما أن الربط بين اطمئنان بقاء النظام ورجاله في السلطة وبين أمن البلد والسلم الأهلي هي ممارسة استبدادية تتبعها الأنظمة الشمولية غير الديمقراطية لبقائها في السلطة، لا الأنظمة الحريصة على تطوير تجاربها السياسية والاجتماعية واستكمال نواقصها.

زر الذهاب إلى الأعلى